
كبرت
لوسيا بعد تلك الليلة.
كبر جسدها، وكبرت سنواتها،
لكن تلك الذكرى بقيت كما هي،
مدفونة في زاوية بعيدة من قلبها،
كجرح التأم من الخارج،
لكن تحته ظلّ الألم حيًّا،
ينبض بصمت،
ينتظر لحظة الحقيقة.
-
أحدث أفلام السنيما المصرية 2024يوليو 3, 2024
كانت تحلم أحيانًا بالنار.
تستيقظ أحيانًا على رائحة دخان لا وجود له.
ترى في منامها كتفًا محترقًا،
وشمًا غامضًا،
ثم تستيقظ قبل أن ترى الوجه.
لم تكن تعرف أن الحياة كانت تعدّ لها لقاءً مؤجلًا،
لقاءً سيجمع الماضي بالحاضر في غرفة واحدة،
أمام سرير رجل صامت.
ثم عاد الحاضر فجأة.
عاد دون استئذان.
عاد بقسوة لا ترحم.
كانت لوسيا واقفة أمام سرير دون رافائيل،
الجسد الهزيل أمامها،
الندوب شاهدة،
والوشم ذاته،
واضحًا، ثابتًا،
كأنه تحدّى الزمن والنار والموت ليبقى.
لم تكن تلك مجرد ندوب.
كانت خريطة تضحية.
كانت سجلّ ألم صامت.
كانت شهادة حياة.
مدّت لوسيا يدها ببطء.
أصابعها كانت ترتجف،
لا من الخوف،
بل من رهبة الحقيقة.
لمست الندوب،
كأنها تخشى أن تختفي إن ضغطت عليها بقوة،
كأنها تخشى أن تستيقظ من حلم قاسٍ.
وقالت بصوت مكسور،
صوت خرج من عمق طفولتها قبل أن يخرج من حلقها:
«هل كنتَ أنت…؟
هل أنت الرجل الذي أنقذني من الحريق؟»
نظر إليها دون رافائيل.
لم يستطع الكلام.
لم يستطع الحركة.
لكن عينيه…
عينيه قالتا كل شيء.
امتلأتا بالدموع.
ارتعشت رموشه.
وحاول أن يفتح فمه…
لكن الصمت كان أقسى من الجلطة.
وبجهدٍ بدا كأنه معركة أخيرة،
أغمض عينيه ببطء،
ثم فتحهما.
إشارة صامتة.
واضحة.
قاسية في صدقها.
نعم.
انهارت لوسيا تمامًا.
لم يكن انهيارًا
صاخبًا،
بل سقوطًا داخليًا،
كأن شيئًا ظلّ متماسكًا فيها سنوات طويلة…
ثم تفتّت دفعة واحدة.
لم تستطع الوقوف.
لم تستطع حتى أن تستنشق الهواء كما يجب.
شعرت بأن صدرها يضيق،
وبأن الغرفة بأكملها تدور حولها ببطء قاسٍ.
سقطت على ركبتيها بجانب السرير،
كأن الأرض لم تعد تعرف كيف تحملها،
وكأن الزمن نفسه انقلب عليها فجأة،
عاد عشرين عامًا إلى الوراء،
ثم توقّف عند هذه اللحظة تحديدًا.
عادت طفولتها دفعة واحدة.
عادت رائحة الدخان.
عاد الصراخ.
عاد ذلك الخوف البدائي الذي لا يعرف كلمات.